الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
296
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لكن - مقارنا مع حركة القافلة من مصر - حدث في بيت يعقوب حادث غريب بحيث أذهل الجميع وصار مثارا للعجب والحيرة ، حيث نشط يعقوب وتحرك من مكانه وتحدث كالمطمئن والواثق بكلامه قال : لو لم تتحدثوا عني بسوء ولم تنسبوا كلامي إلى السفاهة والجهل والكذب لقلت لكم : إني لأجد ريح يوسف فإني أحس بأن أيام المحنة والآلام سوف تنصرم في القريب العاجل ، وأنه قد حان وقت النصر واللقاء مع الحبيب ، وأرى أن آل يعقوب قد نزعوا ثوب العزاء والمصيبة ولبسوا لباس الفرح والسرور - لكن لا تصدقون كلامي ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ( 1 ) . والمستفاد من قوله تعالى ( فصلت ) أنه بمجرد أن تحركت القافلة من مصر أحس يعقوب بالأمر وتغيرت أحواله . أما الذين كانوا مع يعقوب - وهم عادة أحفاده وأزواج أولاده وغيرهم من الأهل والعشيرة - فقد استولى عليهم العجب وخاطبوه بوقاحة مستنكرين : قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم أليس هذا برهانا واضحا على ضلالك حيث مضت سنين طويلة على موت يوسف لكنك لا زلت تزعم أنه حي ، وأخيرا تقول : إنك تشم رائحته من مصر ؟ ! أين مصر وأين الشام وكنعان ؟ ! وهذا دليل على بعدك عن عالم الواقع وانغماسك في الأوهام والخيالات لكنك قد ضللت منذ مدة طويلة ، ألم تقل لأولادك قبل فترة اذهبوا إلى مصر وتحسسوا عن أحوال يوسف ! يظهر من هذه الآية الشريفة أن المقصود ب ( الضلال ) ليس الانحراف في العقيدة ، بل الانحراف في تشخيص حقيقة حال يوسف والقضايا المتعلقة به ، لكن يستفاد من هذه التعابير أنهم كانوا يتعاملون مع هذا النبي الكبير والشيخ المتيقظ
--> 1 - ( تفندون ) من مادة ( الفند ) على زنة ( الرمد ) ومعناها العجز الفكري والسفاهة ، ومضى بعض اللغويين إلى أن معناها الكذب ومعناها في الأصل الفساد . فبناء على ذلك فإن جملة ( لولا أن تفندون ) معناها إذا لم تتهموني بالسفاهة وفساد العقل .